لماذا تُعدّ إثيوبيا الحلقة المفقودة بين أفريقيا والعالم العربي

تحليل من «نبض أفريقيا» (POA)

21 أغسطس 2026

بقلم: ماتياس بوله

تقع إثيوبيا عند ملتقى التاريخ والجغرافيا والجيوسياسية، وتؤدي دور حلقة وصل حيوية بين أفريقيا والعالم العربي وممر البحر الأحمر. ويجعل موقعها الاستراتيجي بالقرب من الشرق الأوسط، ودورها بوصفها بوابة إلى أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، منها لاعباً محورياً في الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية والتبادل الثقافي. وإن إدراك الجذور التاريخية لإثيوبيا وأهميتها الجيوسياسية واحتياجاتها الاستراتيجية الراهنة يتيح فرصة أمام أفريقيا والعالم العربي لبناء شراكة أكثر تكاملاً ومنفعة متبادلة، تقوم على الاحترام والتعاون والمصالح المشتركة.

تمتد علاقة إثيوبيا بالعالم العربي إلى أكثر من 3,000 عام. وقبل ظهور الحدود الحديثة والدول القومية بوقت طويل، كانت شبكات التجارة القديمة تمتد عبر البحر الأحمر، رابطـةً بين المرتفعات الإثيوبية وشبه الجزيرة العربية. وتعكس مملكة دَعَمَت، التي ظهرت نحو القرن العاشر قبل الميلاد، مزيجاً من التأثيرات الأفريقية والجنوب عربية. وتشير عمارتها الحجرية وأنظمة كتابتها إلى تراث ثقافي مشترك سبق الحدود الاستعمارية.

وقد هيمنت إمبراطورية أكسوم، إحدى أعظم الحضارات القديمة في أفريقيا، على طرق التجارة التي ربطت أفريقيا والهند والإمبراطورية الرومانية. وكان تجارها يتاجرون بالذهب والعاج والتوابل، ما جعل إثيوبيا عقدة حيوية في التجارة العالمية القديمة. كما تجسد الحملات العسكرية لحكام أكسوم في جنوب شبه الجزيرة العربية خلال القرن السادس الميلادي، ولا سيما تدخل الإمبراطور كالب في اليمن، النفوذ التاريخي لإثيوبيا وانخراطها الاستراتيجي مع العالم العربي. وقد أرست هذه التفاعلات الأساس لعلاقة استمرت عبر القرون، متجذرة في التجارة والدبلوماسية والتبادل الثقافي.

وهناك أيضاً أدلة لغوية تشير إلى عمق التواصل البشري الذي استمر لآلاف السنين. كما أدت الروابط الدينية دوراً محورياً. فعندما واجه أتباع النبي محمد الاضطهاد في مكة، وجد بعضهم ملاذاً في المملكة المسيحية الإثيوبية، في موقف من التعاطف أكسب إثيوبيا مكانة مرموقة في التاريخ الإسلامي. وتمثل قصة الهجرة الأولى عام 615 ميلادية، عندما التمس أتباع النبي الملاذ الآمن في القرن الأفريقي، رمزاً لتقاليد إثيوبيا الراسخة في الضيافة والعدالة.

إثيوبيا ودورها الجيوسياسي الراهن: ركيزة للاستقرار الإقليمي

اليوم، تتجاوز أهمية إثيوبيا تاريخها العريق. فمع أكثر من 135 مليون نسمة، تُعد إثيوبيا ثاني أكبر دولة في أفريقيا من حيث عدد السكان، وتشكل ركناً أساسياً في منطقة القرن الأفريقي. ويتجلى دورها القيادي في استضافتها مقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، ما يرسخ مكانتها مركزاً سياسياً ودبلوماسياً للقارة.

ويجسد التنوع الديني في إثيوبيا، بما في ذلك وجود أعداد كبيرة من المسيحيين والمسلمين، مزيجاً ثقافياً يتردد صداه في المجتمعات الأفريقية والشرق أوسطية على حد سواء. كما أن علاقاتها الاقتصادية حيوية بالقدر نفسه؛ إذ يسافر ملايين العمال الإثيوبيين إلى دول الخليج للعمل، ويدعمون دخول أسرهم من خلال التحويلات المالية. وقد استثمرت دول الخليج بكثافة في قطاعات الزراعة والبنية التحتية والطاقة في إثيوبيا، إدراكاً منها لإمكاناتها كسوق للنمو وشريك استراتيجي.

غير أن الأهمية الاستراتيجية لإثيوبيا لا تستند فقط إلى التاريخ أو التركيبة السكانية. فتنميتها الاقتصادية، ولا سيما من خلال مشروعات مثل سد النهضة الإثيوبي الكبير، تؤكد طموحها إلى استثمار موارد المياه والطاقة الإقليمية. ويمثل سد النهضة، على وجه الخصوص، رمزاً لسعي إثيوبيا إلى السيادة على مياه أباي، مع فتح فرصة جديدة تماماً للتعاون بين الدول المتشاطئة وعلى مستوى هذه الدول.

الضرورة الاستراتيجية للتعاون الإقليمي

ترتبط الأهمية الجيوسياسية لإثيوبيا ارتباطاً وثيقاً بحاجتها إلى الوصول إلى البحر والتكامل الإقليمي. وباعتبارها دولة حبيسة أصبحت كذلك في عام 1993 من خلال صفقات مشبوهة، ترى إثيوبيا أن 95% من تجارتها يمر عبر جيبوتي، أي عبر ميناء واحد يمثل، رغم أهميته الحيوية، نقاط ضعف لوجستية واستراتيجية. ويفرض الاعتماد الكبير على جيبوتي تكاليف بمليارات الدولارات على التجارة الإثيوبية، ويقيد النمو، ويبرز الحاجة الملحة إلى أن تستعيد إثيوبيا حقها في الوصول إلى البحر.

وبالنسبة إلى العالم العربي وأفريقيا، فإن استقرار إثيوبيا ونموها الاقتصادي أمران أساسيان. فإثيوبيا مجزأة ومعزولة يمكن أن تزعزع استقرار القرن الأفريقي بأكمله، وتغذي حركات التمرد وتدفقات اللاجئين والصراعات العابرة للحدود. وعلى العكس من ذلك، فإن إثيوبيا المستقرة والمتكاملة اقتصادياً تعمل كحصن في مواجهة التطرف وانعدام الأمن الإقليمي. كما أنها تتيح فرصاً للتنمية الاقتصادية المشتركة، ومشروعات البنية التحتية، وتقاسم الموارد.

ومن بين أكثر القضايا إلحاحاً مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري. وسواء تم ذلك من خلال استئجار الموانئ، أو الملكية المشتركة للموانئ، أو الممرات الإقليمية، فإن جهود إثيوبيا تهدف إلى تأمين طرقها التجارية وتقليل اعتمادها على جيبوتي. وتتطلب هذه المبادرات إطاراً تعاونياً يضم الدول المجاورة ودول الخليج والهيئات الإقليمية الأفريقية مثل الاتحاد الأفريقي. ويمكن لهذا التعاون أن يحول بؤر التوتر الجيوسياسي المحتملة، مثل النزاعات حول المياه أو الوصول إلى الموانئ، إلى فرص لتحقيق الرخاء المشترك والاستقرار الإقليمي. ولا يمكن احتجاز دولة بهذا الحجم كرهينة جغرافية، في حين أنها تقع على مرمى حجر من ساحل البحر الأحمر، الذي كانت سواحله ذات يوم تخضع لدوريات الأساطيل البحرية الإثيوبية باعتبارها أراضي ذات سيادة.

لماذا يجب على العالم العربي وأفريقيا التعاون مع إثيوبيا

إن الحجة الداعية إلى اتباع نهج متكامل تجاه الاحتياجات الاستراتيجية لإثيوبيا مقنعة. أولاً، يمكن للإمكانات الاقتصادية لإثيوبيا أن تكون محفزاً للتنمية الإقليمية. ويمكن لقطاعها الزراعي الكبير، وصناعتها التحويلية المتنامية، ومشروعات الطاقة مثل سد النهضة، أن توفر الغذاء والطاقة والسلع الصناعية ليس فقط لسكانها، وإنما أيضاً للدول المجاورة والأسواق الخليجية.

ثانياً، يعتمد الأمن الإقليمي على الاستقرار في إثيوبيا. ويواجه القرن الأفريقي تهديدات من جماعات متمردة وصراعات حدودية وجريمة عابرة للحدود الوطنية. ويرتبط استقرار إثيوبيا بصورة مباشرة بأمن البوابة الجنوبية للعالم العربي، ولا سيما البحر الأحمر وخليج عدن، اللذين تمر عبرهما نسبة كبيرة من التجارة العالمية. ومن شأن ضمان سيادة إثيوبيا وقدرتها على الصمود اقتصادياً أن يعزز بدوره الأمن البحري وجهود مكافحة الإرهاب.

وأخيراً، يجب أن تأخذ الجغرافيا السياسية في ممر البحر الأحمر في الاعتبار المصالح البحرية والاقتصادية المشروعة لإثيوبيا. فمساعيها للحصول على منفذ إلى الموانئ وإنشاء ممرات إقليمية ليست تهديداً، وإنما ضرورة لتنميتها. وإن التعامل مع إثيوبيا باعتبارها شريكاً بدلاً من خصم سيحول دون نشوب الصراعات، ويعزز التكامل الاقتصادي، ويضمن الاستقرار الإقليمي على المدى الطويل.

إن الأهمية الاستراتيجية والتاريخية والثقافية لإثيوبيا تجعل منها ركناً محورياً للاستقرار والازدهار في أفريقيا والعالم العربي. ويمكن أن يؤدي تلبية احتياجات إثيوبيا للوصول إلى البحر، واحترام سيادتها، وتعزيز التعاون الشامل، إلى تحويل بؤر التوتر الجيوسياسي المحتملة إلى فرص للنمو المشترك. وبالنسبة إلى أفريقيا والشرق الأوسط، فإن الطريق إلى الأمام يكمن في الشراكة، من خلال الاعتراف بإثيوبيا جسراً حيوياً، وحضارة عريقة ذات مستقبل يرتكز على التكامل الإقليمي والتنمية الاقتصادية والاحترام المتبادل. وفقط من خلال هذا الجهد الجماعي يمكننا ضمان مستقبل مستقر ومزدهر لجميع شعوب ممر البحر الأحمر وما وراءه.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023