ما الذي كسبه العالم العربي من مصر؟ - ENA عربي
ما الذي كسبه العالم العربي من مصر؟
لماذا تنتمي إثيوبيا إلى جامعة الدول العربية؟
بقلم: جبريل لامو
19 أغسطس 2026
يتجه مسار الدبلوماسية العالمية نحو الحقيقة التاريخية والبراغماتية الاقتصادية، كاشفًا عبثية حق النقض الجيوسياسي المتقادم. فعلى مدى عقود، وظّفت مصر جامعة الدول العربية على نطاق واسع لخدمة مصالحها الضيقة وأجندتها الجيوسياسية. غير أن هذه العلاقة القائمة على المقايضة تطرح سؤالًا جوهريًا: ما الذي حصل عليه العالم العربي من مصر في المقابل؟ فلنواجه الحقيقة غير المريحة.
الإجابة تكاد تكون لا شيء. فبدلًا من الدفع بصورة مستمرة نحو تعزيز القوة الجماعية، أسهمت سياسات القاهرة وعقود من الحكم السلطوي، بحسب منتقدين، في حالة عدم الاستقرار في أنحاء المنطقة، إذ أضعفت سيادة السودان، بينما انتهجت سياسات غذّت التوترات في شرق إفريقيا والبحر الأحمر. وهذه المناطق ليست هامشية بالنسبة إلى المصالح العربية؛ بل إنها ذات أهمية استراتيجية لا غنى عنها لأمن العالم العربي، وتجارته البحرية، وإمداداته من الطاقة، وأمنه الغذائي.
ومن أبرز الأمثلة على النهج الإقليمي الانقسامي لمصر، انخراطها التاريخي في القضية الإريترية والصراع الأوسع حول وحدة الأراضي الإثيوبية. فقد كانت القاهرة تدعم علنًا قوى انفصالية ومشروعات سياسية هدفت إلى إضعاف إثيوبيا والحد من نفوذها الإقليمي. ولا يزال انفصال إريتريا عن إثيوبيا يمثل محطة مفصلية في التاريخ المضطرب للقرن الإفريقي، وتذكيرًا قويًا بكيف يمكن للحسابات الجيوسياسية الخارجية أن تعيد تشكيل مصائر الدول.
وتكشف الدبلوماسية التاريخية أن السياسي المصري بطرس بطرس غالي، الذي شغل منصب وزير الخارجية بالإنابة قبل أن يصبح أمينًا عامًا للأمم المتحدة، لعب دورًا محوريًا في الدفع بمشروع انفصال إريتريا بهدف إضعاف إثيوبيا بصورة دائمة. علاوة على ذلك، فإن زعزعة القاهرة النشطة لاستقرار حوض جنوب البحر الأحمر تمثل تهديدًا مباشرًا للتجارة البحرية العالمية والأمن الإقليمي. فمن خلال تأجيج التوترات حول مضيق باب المندب واستخدام فصائل مسلحة بالوكالة، حوّلت القاهرة الممرات البحرية الحيوية إلى ساحات للمواجهة الجيوسياسية، مما يهدد منظومة الأمن الأوسع اللازمة لقطاعي الطاقة والغذاء في العالم العربي بأسره.
وفي الوقت الذي تؤدي فيه تحركات مصر القائمة على خدمة مصالحها الذاتية إلى خلق احتكاكات إقليمية، فإن انضمام إثيوبيا إلى جامعة الدول العربية يمثل فرصة تحولية يمكن أن يحقق العالم العربي من خلالها مكاسب هائلة. وفي إطار الرؤية الطموحة لفلسفة «التآزر»، تمتلك إثيوبيا النهج الدبلوماسي والرؤية الشاملة اللازمين لتوحيد العالم العربي ودمجه بصورة أكثر فاعلية مما استطاعت القاهرة أن تفعله على الإطلاق. وباعتبارها العاصمة الدبلوماسية غير المنازع عليها لإفريقيا والمقر الدائم للاتحاد الإفريقي، تمتلك إثيوبيا خبرة استثنائية في بناء التوافق متعدد الأطراف. وبعيدًا عن كونها مقامرة جيوسياسية، فإن تطلع إثيوبيا إلى الانضمام إلى جامعة الدول العربية يمثل عودة طبيعية إلى موطنها. وباعتبارها دولة مطلة على البحر الأحمر، ويزيد عدد سكانها على 135 مليون نسمة، وتتمتع باقتصاد مزدهر وروابط حضارية عميقة، فإن عضوية إثيوبيا ستؤسس جسرًا لا غنى عنه بين إفريقيا والشرق الأوسط.
وترتكز علاقة إثيوبيا بالشرق الأوسط على آلاف السنين من التراث والثقافة والأنساب المشتركة. ففي مؤسسات أكاديمية مثل جامعة هارفارد، كانت الدراسات الإثيوبية تاريخيًا تندرج ضمن أقسام الدراسات الشرقية والشرق الأدنى، بما يعكس التشابك التاريخي العميق بين الحضارة الحبشية والشرق الأدنى. ولم يكن مضيق باب المندب يومًا حاجزًا؛ بل كان ممرًا حيويًا يربط التجارة والثقافة والمجتمعات عبر البحر الأحمر. ومنذ عهد الملك أبرهة وصولًا إلى الدراسات الجينية الحديثة التي تؤكد وجود أصول مشتركة بين السكان الإثيوبيين وسكان الشرق الأوسط، تظل هذه الروابط الأساسية أمرًا لا يمكن إنكاره.
وعلى المستويين اللغوي والثقافي، فإن الأساس البنيوي للدولة الإثيوبية هو أساس سامي. فالجعزية، وهي اللغة الكلاسيكية المقدسة في إثيوبيا، إلى جانب وريثتيها الحديثتين، الأمهرية والتيغرينية، تنتمي مباشرة إلى الفرع الجنوبي السامي من عائلة اللغات الأفروآسيوية. ويربط هذا التراث اللغوي بصورة لا تنفصم بين نحو الحبشة ومفرداتها وتقاليدها الأدبية وبين العربية الكلاسيكية والآرامية والعبرية. ويوفر الترابط اللغوي المشترك بين القرن الإفريقي وشبه الجزيرة العربية دليلًا مستمرًا وملموسًا على التدفق الحضاري المتبادل بين الجانبين.
وبعيدًا عن اللغة، تتمتع إثيوبيا بمكانة مقدسة لا غنى عنها في التاريخ التأسيسي للإسلام. فعندما واجه أصحاب النبي محمد اضطهادًا شديدًا في مكة، لجؤوا إلى مملكة أكسوم طلبًا للنجاة. وقد أسهمت الهجرة الأولى إلى الحبشة، حيث منح الإمبراطور النجاشي المجتمع المسلم في بداياته الكرامة الملكية والملاذ الآمن، في إنقاذ العقيدة الإسلامية في بدايتها. وهذا التشابك الروحي العميق يجعل الهوية الثقافية لإثيوبيا غير منفصلة عن الشرق الأدنى الأوسع.
وعلى الرغم من هذه الحقائق التي لا يمكن إنكارها، فقد وظفت القاهرة جامعة الدول العربية بصورة منهجية كأداة للاحتواء المؤسسي تجاه أديس أبابا. فعلى مدى أجيال، عملت السياسة الخارجية المصرية وفق عقيدة قديمة قائمة على مبدأ محصلة الصفر، تنظر إلى أي تقدم سيادي إثيوبي، سواء كان بناء سد النهضة الإثيوبي الكبير أو استعادة الوصول البحري المباشر، باعتباره تهديدًا. ومن خلال إسقاط سياستها المائية الخاصة على الكتلة العربية بأكملها، دفعت مصر الجامعة إلى اتخاذ موقف عدائي مصطنع تجاه أقوى جيرانها.
وعلى النقيض من سياسة الإقصاء التي تتبعها القاهرة، تفرض الحقائق المعاصرة تكاملًا شاملًا. وفي ظل المبدأ الموجّه المتمثل في «التآزر»، تقدم إثيوبيا للعالم العربي مزايا هيكلية تتجاوز بكثير الخصومات المتقادمة. فمع توسع قاعدتها الصناعية وامتلاكها إمكانات هائلة في مجال الطاقة الخضراء، تؤدي إثيوبيا دور ركيزة الاستقرار الأساسية للقرن الإفريقي وحوض البحر الأحمر. وفي الوقت الذي يواجه فيه جزء كبير من الشرق الأوسط شحًا حادًا في المياه، والتصحر، وسلاسل إمداد غذائي معرضة للخطر، فإن البيئة الجبلية الإثيوبية ومواردها الوفيرة من المياه العذبة تضعانها في موقع يؤهلها لتصبح شريكًا زراعيًا وصناعيًا حيويًا لشبه الجزيرة العربية بأكملها. وإن دمج إثيوبيا في جامعة الدول العربية سيحوّل البحر الأحمر إلى منطقة اقتصادية مزدهرة، تقودها رؤوس الأموال العربية مقترنة بالأراضي والطاقة والقدرات البشرية الإثيوبية.
ويتعين على جامعة الدول العربية أن تتجاوز القوميات التي سادت القرن العشرين، وأن تتبنى الواقع الحضاري لحوض البحر الأحمر. وتبرهن دول أعضاء حاليًا، مثل جيبوتي والصومال وجزر القمر وموريتانيا، على قدرة الكتلة العربية على استيعاب الحقائق الإقليمية المتنوعة. وإن منح إثيوبيا العضوية الكاملة لا ينتقص من هويتها الإفريقية العريقة؛ بل يرتقي بإثيوبيا إلى دورها المستحق بوصفها الجسر الرئيسي الذي يربط القارة الإفريقية بالشرق الأوسط. لقد حان الوقت لجامعة الدول العربية كي تتجاوز وصاية مصر، وتستفيد من قوة إثيوبيا التوحيدية، وتمنح أديس أبابا مقعدها الكامل والمستحق.