الحوار الوطني الإثيوبي: مسار تاريخي نحو السلام والتوافق الوطني

بقلم: يوردانوس د.

12 أغسطس 2026 – وكالة الأنباء الإثيوبية

تقترب إثيوبيا من واحدة من أكثر اللحظات حسماً في تاريخها السياسي الحديث. فبعد عقود اتسمت بالاستقطاب السياسي، والصراعات المتكررة، والخلافات الدستورية، وتباين الروايات والتصورات بشأن مستقبل الدولة، تخوض البلاد واحدة من أكثر محاولاتها طموحاً لمعالجة القضايا السياسية والاجتماعية الأساسية من خلال الحوار بدلاً من المواجهة.

ويمثل الحوار الوطني الإثيوبي الجاري محاولة لإنشاء منصة وطنية يملكها الإثيوبيون، تتيح للمواطنين المنحدرين من خلفيات سياسية وإثنية ودينية واجتماعية متنوعة مناقشة القضايا التي شكلت المشهد السياسي للبلاد بصورة مفتوحة، والعمل بصورة جماعية على إيجاد حلول قائمة على التوافق والتفاهم المتبادل والانخراط السلمي.

ولا تقتصر أهمية الحوار الوطني على كونه عملية تشاور سياسي، بل تمتد لتشمل آفاقاً أوسع تتعلق بمستقبل إثيوبيا. ومن المتوقع أن يوفر الحوار فرصة لإعادة بناء الثقة العامة، وتعزيز المؤسسات الديمقراطية، ودعم المصالحة، وترسيخ ثقافة تُدار فيها الخلافات من خلال الحوار والتوافق والآليات الدستورية، بدلاً من الصراع.

وتكمن أهمية هذه العملية ليس فقط في طبيعة القضايا التي تتناولها، وإنما أيضاً في النهج الذي تقدمه لمعالجة هذه القضايا. ففي بلد أدت فيه الخلافات السياسية في كثير من الأحيان إلى عدم الاستقرار والعنف، يسعى الحوار الوطني إلى إيجاد إطار جديد لمعالجة الاختلافات من خلال المشاركة الشاملة وتحمل المسؤولية المشتركة.


 

النشأة والتأسيس

لم تنشأ مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي من فراغ، بل جاءت استجابة لتساؤل طويل الأمد ظل مطروحاً في أوساط المجتمع الإثيوبي، ووصفه كثيرون بأنه الحاجة إلى تحقيق "التوافق الوطني".

غير أن هذه المطالب لم تحظَ بالاهتمام الكافي قبل التغيير الحكومي الذي شهدته البلاد عام 2018.

وإدراكاً لهذه المطالب، إلى جانب القضايا الجوهرية الأخرى التي ظلت تقود الإثيوبيين إلى الصراعات، قررت الحكومة إتاحة المجال أمام الإثيوبيين للجلوس إلى طاولة واحدة، ومناقشة التحديات الوطنية الرئيسية والعمل على معالجتها بصورة مستدامة.

وفي هذا السياق، تأسست مفوضية الحوار الوطني الإثيوبي بموجب الإعلان رقم 1265/2021، باعتبارها مؤسسة اتحادية مستقلة ومحايدة، تخضع للمساءلة أمام مجلس نواب الشعب.

وجاء تأسيس المفوضية بعد سنوات من عدم الاستقرار السياسي، والصراعات المسلحة، والخلافات الدستورية، والتباينات بين الفاعلين السياسيين والمجتمعات بشأن قضايا أساسية تتعلق بهوية إثيوبيا، ونظام الحكم، والترتيبات الفيدرالية، وتفسير التاريخ، ومسار بناء الدولة.

وعلى مدى عقود، أثرت هذه القضايا غير المحسومة في التنافس السياسي وأسهمت في تجدد التوترات في مناطق مختلفة من البلاد.

كما طورت مجموعات مختلفة رؤى متباينة بشأن قضايا من بينها الهوية الوطنية، والتمثيل السياسي، والهياكل الإدارية، والعلاقة بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم.

وإدراكاً بأن هذه القضايا المعقدة لا يمكن معالجتها بصورة مستدامة من خلال التنافس السياسي أو الإجراءات الأمنية أو الإصلاحات المنفردة، أنشأ البرلمان الإثيوبي مفوضية الحوار الوطني لتيسير حوار وطني شامل يهدف إلى تحديد نقاط الالتقاء وبناء التوافق.

وتعمل المفوضية وفق مجموعة من المبادئ، من بينها الشمولية، والشفافية، والحياد، والمصداقية، والاحترام المتبادل، والديمقراطية، والمصلحة الوطنية، وسيادة القانون، والاعتراف بالتقاليد الإثيوبية الأصيلة في حل النزاعات.

وتشمل ولاية المفوضية تحديد الأسباب الجذرية للخلافات الوطنية، وجمع أجندات القضايا من المواطنين، وتنظيم المشاورات على مختلف المستويات الإدارية، وتيسير النقاشات بين أصحاب المصلحة، وتوثيق التوصيات، ودعم تنفيذ النتائج التي يتم التوافق عليها.


 

عملية المشاورات والتقدم المحرز

تُعد المشاركة الشعبية الواسعة إحدى أبرز السمات المميزة للحوار الوطني الإثيوبي. فعلى خلاف المبادرات السياسية التي اقتصرت تاريخياً على مؤسسات الدولة أو النخب السياسية، صُممت العملية لتشمل المجتمعات في مختلف أنحاء البلاد، وإتاحة المجال أمام أصوات ووجهات نظر متنوعة.

وقد وصلت عملية جمع الأجندات إلى المجتمعات على مستوى المقاطعات وصولاً إلى المنصات الإقليمية والاتحادية، بما أتاح للمواطنين تحديد القضايا التي يرون أنها محورية بالنسبة لمستقبل إثيوبيا.

كما شملت العملية الإثيوبيين المقيمين خارج البلاد، من خلال مشاورات مع أبناء الجاليات الإثيوبية في الخارج، بهدف ضمان مساهمة وجهات النظر القادمة من خارج البلاد في الحوار الوطني.

وسعت العملية إلى إشراك طيف واسع من الفئات الاجتماعية، بما في ذلك الأحزاب السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، وجمعيات النساء والشباب، والمجموعات المهنية، والجامعات، وقطاع الأعمال، والمؤسسات الإعلامية، والزعماء التقليديين، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والنازحين داخلياً.

ولدعم عملية المشاورات الواسعة هذه، قامت المفوضية بتدريب آلاف الميسرين والمتعاونين المسؤولين عن تنظيم النقاشات، وجمع شواغل المواطنين، والمساهمة في اختيار المشاركين.

ويعكس التركيز على الشمولية إدراكاً بأن مصداقية الحوار الوطني تعتمد على مدى شعور المواطنين في مختلف المناطق والخلفيات الاجتماعية بأن قضاياهم ممثلة ومسموعة.


 

وقد أُولي اهتمام خاص للمجتمعات التي عانت تاريخياً من محدودية المشاركة في عملية صنع القرار الوطني، بما في ذلك سكان المناطق الريفية، والمجتمعات الرعوية، والنساء، والشباب، والمجتمعات المتأثرة بالصراعات.

ومع استكمال مشاورات واسعة في مختلف أنحاء البلاد، تدخل عملية الحوار الوطني مرحلة حاسمة من خلال المؤتمر الوطني للحوار المزمع عقده.

ويمثل المؤتمر المرحلة المركزية التي سينخرط فيها ممثلو مختلف قطاعات المجتمع الإثيوبي في مناقشات منظمة بشأن القضايا التي جرى تحديدها خلال مراحل المشاورات السابقة.

المؤتمر الوطني للحوار

جمع المؤتمر آلاف المشاركين الذين يمثلون حكومات الأقاليم، والمؤسسات الاتحادية، والتنظيمات السياسية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الدينية، والجمعيات المهنية، والشباب، والنساء، وكبار السن، وأعضاء الجاليات الإثيوبية في الخارج.

ويعكس حجم المشاركة الطموح الذي تقوم عليه العملية. فبدلاً من أن يكون المؤتمر مجرد مفاوضات بين النخب السياسية، يسعى إلى أن يصبح منصة وطنية تتيح لمختلف المكونات التداول بشأن القضايا التي تؤثر في المستقبل السياسي للبلاد.

ويناقش المشاركون حالياً مجموعة من القضايا الوطنية الرئيسية، من بينها بناء الدولة والهوية الوطنية، والترتيبات الدستورية والفيدرالية، وسيادة القانون وحقوق الإنسان، وبناء السلام والمصالحة، والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، والحكم الرشيد.

وقد صُمم هيكل المؤتمر بما يشجع على النقاش الجاد، بدلاً من الاكتفاء بجدل سياسي تقليدي. وينخرط المشاركون في منتديات نقاش أصغر قبل الانتقال إلى جلسات أوسع، يتم خلالها تجميع الأفكار والتوصيات ومناقشتها على نطاق أوسع.

ويهدف هذا النهج إلى تمكين المشاركين من دراسة القضايا المعقدة بصورة متأنية، وتحديد نقاط الاتفاق والاختلاف، وصياغة توصيات تستند إلى التداول الجماعي.

وأشارت المفوضية إلى أن التوصيات التي ستنبثق عن المؤتمر ستخضع لمزيد من المراجعة قبل إدراجها في تقريرها النهائي. ومن شأن هذه التوصيات أن توفر توجيهات للإصلاحات المستقبلية في السياسات والتشريعات، وربما لإجراء تعديلات دستورية.

ومن السمات المهمة للعملية مبدأ مشاركة جميع الأطراف على قدم المساواة. فمن المتوقع أن يشارك المسؤولون الحكوميون، وممثلو القوى السياسية، والأكاديميون، والضباط العسكريون، والزعماء الدينيون، وقطاع الأعمال، وكبار الشخصيات التقليدية، والمواطنون العاديون، دون امتياز مؤسسي لأي طرف.

ويهدف هذا النهج إلى تشجيع النقاش المفتوح، وتهيئة بيئة تسمح بطرح مختلف وجهات النظر بحرية.

معالجة القضايا الوطنية الجوهرية

تقع في صميم الحوار الوطني مجموعة من أكثر القضايا تعقيداً واستمراراً في تاريخ إثيوبيا. فقد جرى تفسير تاريخ البلاد وهويتها وبنيتها السياسية ونظام الحكم فيها بطرق مختلفة من جانب مجموعات متعددة.

وقد أسهمت هذه الرؤى المتباينة في تشكيل الحركات السياسية، كما ساهمت في تصاعد التوترات حول قضايا من بينها الفيدرالية، والهوية الوطنية، وتوزيع الموارد، والتمثيل السياسي.

ويوفر الحوار الوطني فرصة لمعالجة هذه القضايا من خلال النقاش السلمي، بدلاً من المواجهة السياسية.

ومن المتوقع أن يبحث المشاركون قضايا تتصل بالإصلاح الدستوري، والحكم الديمقراطي، والأنظمة الانتخابية، والمساءلة المؤسسية، وحماية الحقوق، وآليات تسوية النزاعات بصورة سلمية.

ولا يتمثل هدف الحوار بالضرورة في إنهاء جميع الخلافات، إذ إن الاختلافات أمر طبيعي في مجتمع متنوع مثل المجتمع الإثيوبي.

بل يتمثل الهدف في وضع إطار مشترك يمكن من خلاله إدارة هذه الخلافات عبر المؤسسات الديمقراطية والوسائل السلمية.

بناء السلام من خلال المصالحة الوطنية

يظل بناء السلام أحد أهم التطلعات المرتبطة بالحوار الوطني. فقد أدت سنوات من الصراعات إلى خسائر في الأرواح، ونزوح السكان، واضطرابات اقتصادية، وانقسامات اجتماعية عميقة في أجزاء مختلفة من إثيوبيا.

وقد أوجدت هذه التجارب حاجة إلى آليات قادرة على معالجة المظالم، وإعادة بناء الثقة، وتعزيز المصالحة بين المجتمعات.

ويمكن للحوار الوطني أن يسهم في بناء السلام من خلال توفير فرص للمجموعات التي تحمل تجارب ووجهات نظر مختلفة للانخراط المباشر مع بعضها البعض والسعي إلى بناء فهم مشترك.

كما يُتوقع أن يتكامل الحوار مع جهود العدالة الانتقالية، من خلال دعم النقاشات المتعلقة بالمساءلة، وكشف الحقيقة، والمصالحة، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، والتعافي الوطني.

ويمكن لنجاح الحوار أن يسهم في الحد من الاستقطاب السياسي، من خلال تشجيع الأطراف المتنافسة على البحث عن حلول عبر التفاوض والانخراط الديمقراطي، بدلاً من اللجوء إلى العنف.

تعزيز الديمقراطية

يمثل تعزيز المؤسسات الديمقراطية في إثيوبيا أحد التطلعات الرئيسية الأخرى للحوار الوطني.

فالديمقراطية لا تعتمد على الانتخابات وحدها، بل تعتمد أيضاً على قدرة المؤسسات على إدارة الخلافات، وحماية الحقوق، وضمان ثقة المواطنين في النظام السياسي.


 

وإذا أسفر الحوار عن توصيات تحظى بقبول واسع، فإنه يمكن أن يسهم في تعزيز المؤسسات، وتحسين المساءلة، وزيادة ثقة الجمهور في هياكل الدولة.

كما يمكن للعملية أن تدعم الجهود الرامية إلى تعزيز مؤسسات مثل السلطة القضائية، والهيئات الانتخابية، وأجهزة إنفاذ القانون، التي تؤدي أدواراً أساسية في ضمان الاستقرار السياسي وحماية حقوق المواطنين.

ومن خلال المشاركة الشاملة وبناء التوافق، يمتلك الحوار الوطني القدرة على تهيئة الظروف أمام منافسة سياسية أكثر سلمية وحوكمة ديمقراطية أكثر قوة.

الفرص الاقتصادية من خلال الاستقرار السياسي

يمثل الاستقرار السياسي أحد أهم الأسس للتحول الاقتصادي في إثيوبيا.

فإذا نجح الحوار الوطني في الحد من حالة عدم اليقين وتعزيز السلام، فقد يسهم ذلك في تحسين ثقة المستثمرين، وتنشيط النشاط الاقتصادي، وتهيئة ظروف أفضل لإعادة الإعمار والتنمية في المناطق المتأثرة بالصراعات.

كما يمكن للموارد التي كانت تُوجه سابقاً إلى إدارة الصراعات أن تتجه بصورة متزايدة نحو أولويات وطنية، مثل التعليم، والرعاية الصحية، وتطوير البنية التحتية، وتحديث الزراعة، والنمو الصناعي، وخلق فرص العمل.

ومن شأن بيئة سياسية أكثر استقراراً أن تعزز قدرة إثيوبيا على جذب الاستثمارات، وتوسيع التجارة، وتحسين موقعها باعتبارها واحدة من الاقتصادات الإفريقية الصاعدة الرئيسية.

وتؤكد التجربة أن السلام والتنمية مرتبطان ارتباطاً وثيقاً؛ إذ إن تحقيق تقدم اقتصادي مستدام يتطلب الاستقرار السياسي، ومؤسسات قوية، وثقة عامة راسخة.

الأهمية الإقليمية والقارية

لا تقتصر أهمية الحوار الوطني الإثيوبي على حدود البلاد، بل تمتد إلى الإقليم والقارة بأسرها.

وباعتبار إثيوبيا مركزاً دبلوماسياً لإفريقيا، ومقراً لعدد من المؤسسات القارية الرئيسية، فإنها تؤدي دوراً مهماً في قضايا السلام والأمن والتعاون الاقتصادي على المستوى الإقليمي.

ومن شأن إثيوبيا أكثر سلاماً واستقراراً أن تسهم في تعزيز الاستقرار الأوسع في منطقة القرن الإفريقي، من خلال دعم التجارة الإقليمية، وربط البنية التحتية، وإدارة قضايا الهجرة، وتعزيز التعاون الدبلوماسي.

كما يمكن للعملية أن تقدم دروساً قيّمة لدول إفريقية أخرى تواجه انقسامات سياسية، وخلافات دستورية، وتحديات مرحلة ما بعد الصراع.

وفي حال نجاحها، يمكن للتجربة الإثيوبية أن تظهر الإمكانات التي توفرها عمليات الحوار الوطنية التي يملكها المجتمع الوطني نفسه، باعتبارها أدوات لمعالجة التحديات السياسية المعقدة وتعزيز التحولات الديمقراطية.


 

لحظة حاسمة لإثيوبيا

باختصار، يمثل الحوار الوطني الإثيوبي واحدة من أكثر محاولات البلاد شمولاً لمعالجة الخلافات السياسية والدستورية والاجتماعية من خلال التشاور السلمي.

وسيعتمد نجاحه ليس فقط على النقاشات التي تجري خلال العملية، وإنما أيضاً على مدى ترجمة التوصيات إلى إصلاحات ذات معنى، واستمرار التزام مختلف الأطراف بتنفيذ النتائج التي يتم التوافق عليها.

وفي حال تحقق توافق واسع واستمر تنفيذ الإصلاحات، يمكن للحوار أن يصبح نقطة تحول تاريخية لإثيوبيا، تسهم في بناء مؤسسات أقوى، وتعميق المصالحة، وتهيئة بيئة سياسية أكثر شمولاً.

وبالنسبة لإثيوبيا، تمثل العملية فرصة لتجاوز دوائر المواجهة المتكررة، وترسيخ ثقافة تقوم على الحوار والتوافق وتحمل المسؤولية المشتركة.

أما بالنسبة لإفريقيا، فقد تصبح التجربة مثالاً مهماً على الكيفية التي يمكن من خلالها للتشاور الوطني الشامل أن يسهم في تحقيق السلام، والتجديد الديمقراطي، والتنمية المستدامة.

وفي نهاية المطاف، لا يتعلق الحوار الوطني فقط بحل الخلافات القائمة اليوم، بل يتعلق أيضاً بتحديد ما إذا كانت إثيوبيا قادرة على تحويل تنوعها واختلافاتها إلى أساس للتعاون والاستقرار وبناء مستقبل وطني مشترك.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023