البصمة الخضراء مبادرة رائدة لاستعادة الطبيعة وإحداث تحول في القطاع الزراعي

بقلم: يوردانوس د.

أديس أبابا، 3 أغسطس 2026 (إينا) – أكدت أبحاث علمية مستقلة خضعت لمراجعة الأقران، ونُشرت في دوريات دولية رائدة، من بينها «نيتشر ساينتيفيك ريبورتس»، و«إلسفير»، و«سبرينغر»، فعالية مبادرة البصمة الخضراء الإثيوبية في استعادة النظم البيئية المتدهورة، والتخفيف من آثار تغير المناخ، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين سبل العيش في المناطق الريفية.

وخلصت الدراسات إلى أن المبادرة حققت معدل بقاء للشتلات يُقدَّر بنحو 80 بالمائة، بفضل تطبيق الممارسات العلمية في إدارة الغابات والمشاركة المجتمعية الفاعلة في رعاية الأشجار. كما أظهرت الأبحاث أن الغطاء الحرجي ارتفع في بعض المناطق من 27.64 بالمائة إلى 38.24 بالمائة خلال ست سنوات، في حين انخفضت درجات حرارة سطح الأرض محليًا بما يصل إلى 1.16 درجة مئوية، مما وفر ظروفًا أكثر ملاءمة للزراعة وعزز القدرة على مواجهة تغير المناخ.

وأشارت دراسات أخرى اعتمدت على الذكاء الاصطناعي والتحليل الجغرافي المكاني إلى استمرار توسع الغطاء الحرجي حتى عام 2035. كما حدد الباحثون المستوى الاستثنائي للمشاركة الطوعية للمواطنين، الذي وصفوه بـ«الوطنية المناخية»، باعتباره أحد أبرز العوامل التي تقف وراء نجاح المبادرة. وبشكل عام، تؤكد هذه النتائج أن مبادرة البصمة الخضراء تمثل نموذجًا مثبتًا علميًا لاستعادة النظم البيئية على نطاق واسع وتحقيق التنمية المستدامة.


 

ومنذ إطلاقها في مايو 2019، تطورت مبادرة البصمة الخضراء من حملة وطنية طموحة لغرس الأشجار إلى أحد أكثر برامج استعادة البيئة والتنمية الخضراء شمولًا في أفريقيا. وقد أُطلقت المبادرة بقيادة رئيس الوزراء آبي أحمد بهدف عكس آثار عقود من إزالة الغابات، وتدهور الأراضي، وفقدان التنوع البيولوجي، وتراجع الإنتاجية الزراعية، وتزايد التأثر بتغير المناخ.

وخلال إطلاق حملة غرس الأشجار الوطنية لعام 2026، دعا رئيس الوزراء آبي أحمد الإثيوبيين إلى غرس 800 مليون شتلة في مختلف أنحاء البلاد. وخلال مشاركته في الحملة بجامعة الذكاء الاصطناعي الإثيوبية في أديس أبابا، وصف رئيس الوزراء المبادرة بأنها تتجاوز كونها نشاطًا بيئيًا، مؤكدًا أنها تمثل استثمارًا في مستقبل البلاد.

وأشار، مستذكرًا تقاليد إثيوبيا الراسخة في غرس الأشجار خلال موسم الأمطار، إلى أن الأشجار ترمز إلى الأمل والتجدد والمسؤولية المشتركة. وأكد أن مبادرة البصمة الخضراء تجسد ما يمكن لأمة موحدة أن تحققه من خلال الالتزام والعمل الجماعي، وقال: «إننا نغرس إثيوبيا، ونغرس الأمل لنمنح أبناءنا غدًا أفضل»، مشددًا على أن الأشجار التي تُغرس اليوم ستواصل خدمة الأجيال المقبلة من خلال دعم الاستدامة البيئية، والازدهار الاقتصادي، والقدرة على مواجهة تغير المناخ.

وخلال سبعة مواسم مطيرة متتالية، توسعت المبادرة إلى ما هو أبعد من زيادة الغطاء الحرجي، لتتحول إلى استراتيجية وطنية متكاملة تجمع بين استعادة النظم البيئية، والتحول الزراعي، وتحقيق الأمن الغذائي، وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وإعادة تأهيل الأحواض المائية، وتحسين سبل العيش، ودعم التنمية الاقتصادية الخضراء.

وأُطلقت المبادرة في وقت كانت فيه إثيوبيا تواجه تدهورًا بيئيًا حادًا، إذ أدت عقود من إزالة الغابات إلى تسارع انجراف التربة، وتراجع خصوبتها، واستنزاف الموارد المائية، وإضعاف الإنتاجية الزراعية. ونظرًا لأن الزراعة تمثل العمود الفقري للاقتصاد الإثيوبي والمصدر الرئيسي لمعيشة غالبية السكان، فقد أصبحت استعادة الأراضي المتدهورة ضرورة ليس فقط لتحقيق الاستدامة البيئية، وإنما أيضًا لتعزيز دخول سكان الريف وضمان الأمن الغذائي على المدى الطويل.


 

واستهدفت أول حملة لمبادرة البصمة الخضراء، التي نُفذت خلال موسم الأمطار لعام 2019، غرس أربعة مليارات شتلة، إلا أن إثيوبيا تجاوزت هذا الهدف بغرس نحو 4.7 مليارات شتلة. كما استقطبت الحملة اهتمامًا عالميًا بعد غرس أكثر من 350 مليون شتلة في يوم واحد، في إنجاز غير مسبوق عكس مستوى التعبئة الوطنية.

وشارك في الحملة مؤسسات حكومية، ومدارس، وجامعات، ومزارعون، ومجموعات شبابية، ومؤسسات دينية، وشركات خاصة، ومنظمات مجتمع مدني، وأبناء الجالية الإثيوبية، مما جعل استعادة البيئة مسؤولية وطنية مشتركة.

واستنادًا إلى هذا الزخم، وسعت إثيوبيا الحملة في عام 2020 رغم التحديات التي فرضتها جائحة كوفيد-19، حيث ارتفع الهدف السنوي إلى خمسة مليارات شتلة، بينما تم غرس نحو 5.9 مليارات شتلة. كما أُولي اهتمام أكبر بالأشجار متعددة الأغراض، بما في ذلك الأشجار المثمرة، وشتلات البن، وأشجار الأعلاف، والأنواع المحلية، وأشجار الوقود، التي تسهم في استعادة النظم البيئية وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة للأسر الريفية.

واستمر هذا المسار التصاعدي في عام 2021، عندما غرست إثيوبيا نحو 6.8 مليارات شتلة مقابل هدف بلغ ستة مليارات شتلة.

وخلال هذه الفترة، أصبحت المبادرة أكثر اندماجًا مع برامج إعادة تأهيل الأحواض المائية، والحفاظ على التربة والمياه، والزراعة الحرجية، والزراعة الذكية مناخيًا. كما جرى التوسع في زراعة الأنواع المحلية لقدرتها على استعادة خصوبة التربة، والحد من الانجراف، وتعزيز تغذية المياه الجوفية، وتهيئة مناخات محلية ملائمة للإنتاج الزراعي، ولا سيما في المرتفعات المتدهورة والمناطق شبه القاحلة.


وفي عام 2022، تجاوزت إثيوبيا مجددًا هدفها السنوي، بغرس نحو 7.2 مليارات شتلة. وتركزت جهود الاستعادة بصورة متزايدة على الأحواض المائية المتدهورة، وأحواض الأنهار، والمنحدرات، والمراعي المجتمعية. وتشير الأدلة العلمية إلى أن استعادة الغطاء النباتي تعزز تسرب مياه الأمطار إلى التربة، وتحد من انجرافها، وتحسن احتفاظها بالرطوبة، وتقوي وظائف الأحواض المائية.

وأسهمت هذه التحسينات بصورة مباشرة في زيادة إنتاجية المحاصيل، وتعزيز استدامة إمدادات المياه، ورفع القدرة على مواجهة موجات الجفاف المتكررة. كما وفرت أنظمة الزراعة الحرجية التي أُنشئت في إطار المبادرة الظل اللازم لإنتاج البن، وعززت المادة العضوية في التربة، وخففت من آثار تعرية الرياح، ونوعت الإنتاج الزراعي من خلال الفواكه، والأخشاب، والأعلاف، وأشجار الوقود.

وعززت حملة البصمة الخضراء لعام 2023 الأثر التنموي للمبادرة، حيث غرست إثيوبيا أكثر من 7.5 مليارات شتلة، متجاوزة هدفها البالغ 6.5 مليارات شتلة. كما جرى التركيز بصورة أكبر على دمج استعادة البيئة مع تنويع مصادر الدخل.

ووسع المزارعون زراعة الأشجار المثمرة، وشتلات البن، وأعلاف الماشية، والأنواع المحلية متعددة الأغراض التي تحقق قيمة بيئية واقتصادية في آن واحد. وأسهمت هذه التدخلات في زيادة دخول الأسر، وتحسين توافر الأعلاف، ورفع إنتاج الفواكه، وتقليل الاعتماد على الغابات الطبيعية في الحصول على الحطب ومواد البناء، مما جعل المبادرة محفزًا مهمًا للتحول الاقتصادي في المناطق الريفية.

وشهد موسم الأمطار لعام 2024 محطة بارزة أخرى، إذ غرست إثيوبيا نحو 7.5 مليارات شتلة، ليتجاوز إجمالي الشتلات المغروسة منذ انطلاق المبادرة 40 مليار شتلة. كما توسعت جهود الاستعادة لتشمل الأراضي الزراعية المتدهورة، والأراضي الرطبة، وأحواض الأنهار، والمساحات الخضراء الحضرية.

وساعدت هذه الجهود في تثبيت التربة، والحد من الفيضانات، وتحسين جودة المياه، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وتعزيز الخدمات البيئية التي تدعم الإنتاج الزراعي بصورة مباشرة.

وخلال حملة عام 2025، دخلت إثيوبيا مرحلة جديدة بإعداد أكثر من 8.4 مليارات شتلة وغرس نحو ثمانية مليارات شتلة في مختلف أنحاء البلاد. وتركز الاهتمام بصورة أكبر على شتلات البن، والأشجار المثمرة، وأشجار الأعلاف، والأنواع المحلية، وأنظمة الزراعة الحرجية التي تعزز الاستدامة البيئية وتحسن سبل العيش في المناطق الريفية. كما عززت إثيوبيا تعاونها الدولي من خلال تقاسم تجربتها مع الدول المجاورة، مما رسخ مكانتها بوصفها رائدة قارية في مجال استعادة المناظر الطبيعية.


 

ومن أبرز إنجازات المبادرة إسهامها في التحول الزراعي، إذ تؤكد الدراسات العلمية بصورة متزايدة أن استعادة المناظر الطبيعية تعزز الأساس البيئي للزراعة. فإعادة التشجير تحد من انجراف التربة، وتستعيد خصوبتها، وتزيد من المادة العضوية، وتحافظ على الرطوبة، وتخفف من درجات الحرارة المحلية، وتحسن موائل الملقحات.

كما تعزز أنظمة الزراعة الحرجية التي تروج لها المبادرة إنتاجية المحاصيل، إلى جانب توفير الفواكه، والبن، والأخشاب، والحطب، والنباتات الطبية، والعسل. وتسهم هذه الأنظمة الزراعية المتكاملة في تنويع مصادر دخل الأسر، وتقليل تعرض المزارعين للصدمات المناخية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود. كما حدد الباحثون مناطق الزراعة الحرجية ضمن مبادرة البصمة الخضراء باعتبارها من بين أعلى النظم الزراعية إنتاجية في تخزين الكربون.

وحققت المبادرة كذلك فوائد اجتماعية واقتصادية كبيرة، حيث يشارك ملايين الإثيوبيين سنويًا في إنتاج الشتلات، وإدارة المشاتل، ونقلها، وغرسها، ورعايتها، وإعادة تأهيل الأحواض المائية. كما وفرت المشاتل المجتمعية، والتعاونيات الشبابية، والمشروعات التي تقودها النساء فرص عمل جديدة، وحسنت الوصول إلى الشتلات عالية الجودة. وتوفر الأشجار متعددة الأغراض منتجات قابلة للتسويق، تشمل الفواكه، والبن، والأخشاب، والحطب، وأعلاف الماشية، وغيرها من المنتجات الحرجية غير الخشبية، بما يعزز دخول الأسر ويحسن الأمن الغذائي.

ويعترف شركاء التنمية بصورة متزايدة بالمبادرة باعتبارها استراتيجية فعالة للتكيف مع تغير المناخ، تقوم على استعادة النظم البيئية، وتعزز قدرة صغار المزارعين على الصمود، وتعيد تأهيل الأحواض المائية المتدهورة، وتمكن المجتمعات الأكثر عرضة للمخاطر من مواجهة الصدمات المناخية.

كما حددت الدراسات العلمية عددًا من الدروس التي يمكن أن تعزز تنفيذ المبادرة مستقبلًا، إذ تشير الدراسات الميدانية الحديثة إلى أن معدل بقاء الشتلات يصل إلى نحو 80 بالمائة عندما تُختار الأنواع الملائمة للظروف البيئية المحلية، ويجري الغرس بالتزامن مع موسم الأمطار، وتحظى المجتمعات المحلية بالدعم الفني الكافي. ولذلك أوصى الباحثون بتعزيز إدارة الشتلات بعد غرسها، وتطوير أنظمة المتابعة، وترسيخ الملكية المجتمعية، وتحسين اختيار الأنواع النباتية، بما يحقق أقصى الفوائد البيئية والاقتصادية والاجتماعية على المدى الطويل.


 

واليوم، تمثل مبادرة البصمة الخضراء أكثر بكثير من مجرد حملة سنوية لغرس الأشجار، إذ تطورت إلى استراتيجية وطنية طويلة الأمد تجمع بين استعادة البيئة، والتحول الزراعي، وتعزيز القدرة على مواجهة تغير المناخ، والحفاظ على التنوع البيولوجي، وإعادة تأهيل الأحواض المائية، وتحقيق الأمن الغذائي، وخلق فرص العمل، ودعم سبل العيش المستدامة.

ويعكس الارتفاع المستمر في عدد الشتلات المغروسة سنويًا، من 4.7 مليارات شتلة في عام 2019 إلى نحو ثمانية مليارات شتلة في الحملات الأخيرة، تنامي قدرة إثيوبيا على استعادة المناظر الطبيعية على نطاق واسع، والتزامها طويل الأمد ببناء اقتصاد أكثر خضرة وإنتاجية وقدرة على الصمود في مواجهة تغير المناخ.

ورغم استمرار الحاجة إلى إيلاء مزيد من الاهتمام لمعدلات بقاء الشتلات، وملاءمتها البيئية، وإدارتها بعد الغرس، فإن الأدلة العلمية المتزايدة تؤكد أن مبادرة البصمة الخضراء تحقق فوائد ملموسة على المستويات البيئية والزراعية والاجتماعية والاقتصادية، تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من كل موسم غرس.

وكالة الأنباء الأثيوبية
2023